محمد بن عبد الله ( ابن مالك )

127

شرح الكافية الشافية

--> - والثاني : أنهم صمموا في تلك الحال على أنهم لو ردوا لما عادوا إلى الكفر ؛ لما شاهدوا من الأهوال والعقوبات ، فأخبر اللّه تعالى أن قولهم في تلك الحال : " ولا نكذّب " وإن كان عن اعتقاد وتصميم يتغير على تقدير الردّ ، ووقوع العود ، فيصير قولهم : " ولا نكذّب " كذبا ؛ كما يقول اللّص عند ألم العقوبة : لا أعود ، ويعتقد ذلك ، ويصمم عليه ، فإذا خلص ، وعاد كان كاذبا . وقد أجاب مكي أيضا بجوابين : أحدهما : قريب مما تقدم . والثاني : لغيره ، فقال : أي لكاذبون في الدنيا في تكذيبهم الرسل ، وإنكارهم البعث للحال التي كانوا عليها في الدنيا . وقد أجاز أبو عمرو وغيره وقوع التكذيب في الآخرة ؛ لأنهم ادعوا أنهم لو ردوا لم يكذّبوا بآيات اللّه ، فعلم اللّه ما لا يكون لو كان كيف كان يكون ، وأنهم لو ردوا لم يؤمنوا ولكذّبوا بآيات اللّه ، فأكذبهم اللّه في دعواهم . وأما نصبهما فبإضمار " أن " بعد الواو التي بمعنى " مع " كقولك : ليت لي مالا وأنفق منه ، فالفعل منصوب بإضمار " أن " ، و " أن " مصدرية ينسبك منها ومن الفعل بعدها - مصدر ، والواو حرف عطف فتستدعى معطوفا عليه وليس قبلها في الآية إلا فعل ، فكيف يعطف اسم على فعل ؟ فلا جرم أنا نقدر مصدرا متوهما يعطف هذا المصدر المنسبك من " أن " وما بعدها - عليه ، والتقدير : يا ليتنا لنا ردّ ، وانتفاء تكذيب بآيات ربّنا ، وكون من المؤمنين ، أي : ليتنا لنا ردّ ، مع هذين الشيئين ، فيكون عدم التكذيب والكون من المؤمنين متمنيين أيضا ، فهذه الثلاثة الأشياء ، أعنى : الردّ ، وعدم التكذيب ، والكون من المؤمنين متمناة بقيد الاجتماع ، لا أن كلّ واحد متمنى وحده ، لأنه كما قدمت لك : هذه الواو شرط إضمار " أن " بعدها أن تصلح " مع " في مكانها ، فالنصب يعين أحد محتملاتها في قولك : لا تأكل السّمك وتشرب اللبن وشبهه . والإشكال المتقدم ، وهو إدخال التكذيب على التمني وارد هنا ، وقد تقدم جواب ذلك ، إلا أن بعضه يتعذر ههنا ، وهو كون " لا نكذّب ونكون " مستأنفين سيقا لمجرد الإخبار ، فبقى إمّا لكون التمني دخله معنى الوعد ، وإمّا أن قوله تعالى : وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ * ليس راجعا إلى تمنيهم ، وإمّا لأن التمني يدخله التكذيب ، وقد تقدم فساده . وقال ابن الأنباري : " أكذبهم في معنى التمني ، لأن تمنيهم راجع إلى معنى : نحن لا نكذّب إذا رددنا ، فغلب عزّ وجلّ تأويل الكلام فأكذبهم ، ولم يستعمل لفظ التمني " . وهذا الذي قاله ابن الأنباري تقدم معناه بأوضح من هذا . قال الشيخ : " وكثيرا ما يوجد في كتب النحو : أن هذه الواو المنصوب بعدها هو على جواب التمني ، كما قال الزمخشري : وقرئ " ولا نكذّب ونكون " بالنصب ، بإضمار " أن " على جواب التمني ، ومعناه : إن رددنا لم نكذّب ونكن من المؤمنين " . قال : وليس كما ذكره فإنّ نصب الفعل بعد الواو ليس على جهة الجواب ، لأن الواو لا تقع جواب الشرط ، فلا ينعقد مما قبلها ولا مما بعدها شرط وجواب ، وإنما هي واو مع تعطف ما بعدها على المصدر المتوهم قبلها ، وهي واو العطف ، يتعين مع النصب أحد محاملها الثلاثة ، وهي المعية ويميزها من الفاء تقدير " مع " موضعها ، كما أن فاء الجواب إذا كان بعدها فعل منصوب ميّزها تقدير شرط قبلها ، أو حال مكانها . وشبهة من قال : إنّها جواب ، أنها تنصب في المواضع التي تنصب فيها -